إفتتاحية الموقع

  • ترددت في كتابة ما أقدمه ، ولكني لم أتهيب شيئا من تقديم ما تهيبت من إخراجه يوما ، بعدما أدركت أن ما اختزنته من رصيد فكري في حياتي يصور جانبا من جوانب حياتنا ويصف نمطا من أنماط من حولنا ويفيد اليوم قارئا ، ويعين غدا مؤرخا ، فقد هممت أن أصف ما حولي مؤثرا في نفسي ومتأثرا بما حولي .

     

    إن حديث الإنسان عن نفسه – عادة – ثقيل لأن حب الإنسان نفسه كثيرا ما يدعوه أن يشوب حديثه بالمديح وحسن الأعمال ، ولو عن طريق الإيماء أو التلميح ، وفي هذا المديح ، قد يكون دلالة على التسامي والتعالي من الآخرين ، ولذلك لا يستساغ حديث الإنسان بنفسه عن نفسه إلا من ضروب التواضع وأفانين اللياقة وحب الخير للغير ، وتقديم ما ينفع ويؤتي أكله في كل وقت وحين .

     

    فقد دونت مذكرات يومية عن حياتي وعن رحلاتي في كل بلد حللت به وجهة كنت فيها ، ولكن لم يكن ذلك عملا منظما متواصلا ثم عمدت في الأعوام القريبة إلى ترتيبه وكتابته من جديد على النحو الذي يراه القارئ من غير تصنع ولا تألق ...

     

    بعد أن أذيع اسمي ضمن الطلبة المترشحين للدراسة في المشرق العربي في نشرة أخبار الساعة الواحدة من يوم 11 نوفمبر 1968 خيرني والدي ، الذي كان إماما بمسجد ثنية العابد ، بين الاستمرار في وظيفتي بالتدريس في متوسطـة "شير" بواد عبدي أو متابعة دراستي بالخارج ، وبعد لأي وموافقة الوالدين الكريمين كانت الخيرة للثانية ، فأخذت عدتي للسفر ،وقد قال لنا ممثل وزارة التربية الوطنية بمطار الجزائر :"اعلموا أيها الطلبة أنكم ذاهبون للمشرق العربي وأن السنة الماضية 1967 كان دور الجيش الوطني الشعبي في حرب 5 جوان 1967 لرد العدوان الإسرائيلي على البلاد العربية ، وقد سجل أروع  الملاحم التي يشهد لها التاريخ ، وهذه السنة 1968 هو دوركم ، لكن للدراسة والتحصيل العلمي ، والهدف واحد هو عزة و تقدم الجزائر".

     

    في أمسية يوم 20 نوفمبر 1968 وصلنا إلى دمشق – الشام- في ساحـة المرجـة كانت إقامتنا بفندق البحرين ، وسجلت في السنة الأولى ثانوي بثانوية محمد بن أبي القاسم الثقفي بساحـة العباسيين وفي السنة الموالية وزع الطلبة الجزائريين على المحافظات فكان من نصيبي مدينة حمص ، حيث تابعت دراستي بثانوية الفارابي الرسمية ، وفي سنة 1971 كانت سفريات الطلبة إلى العراق ومصر ، فكنت في بغداد ، والإقامة في دار البعثات العربية و الأجنية بالوزيرية ، واصلت دراستي بثانوية الأعظمية للبنين وتحصلت على شهادة البكالوريا سنة 1973 ، وسجلت في جامعـة بغداد قسم الفلسفة ، وتخرجت سنة 1978 .

     

    بعد تخرجي من الجامعـة،عملت كاتبا بالشركة الفرنسية THINET بالمدينة السياحية بـ "الحبانية" قضاء الفلوجـة ،محافظة الأنبار، لمدة سنة وخمسة أشهر،وبعد تدشين المدينة السياحية،عملت كاتبا في الشركة الفرنسيةSATEC GEMARKTفي مشروع معمل غذاء الأطفال بـ : بلد قضاء تكريت محافظة صلاح الدين .

     

    وفي عام 1981 سجلت في جامعة بغداد بقسم علم الاجتماع لنيل شهادة الماجستير ، وكانت الرسالة موسومـة بـ:" أثر محو الأمية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمحافظة بابل – العراق " بإشراف الدكتور إحسان محمد الحسن وتحصلت على درجـة جيد جدا والحمد لله .

     

    أخي الزائر الكريم :

     

    أثناء إقامتي بالعراق ، توفرت لي الظروف الجيدة، معنويا ( نجاحي في الدراسة ) ماديا (المنحـة من الجزائر و العراق ) مما ساعدني على الترحال والتجوال في أقطار المنطقـة : الأردن والكويت ومصر والسعودية (حاج عام 1980 رفقة الوالدين الكريمين رحمهما الله ) ودول الشرق الأدنى : أفغانستان وباكستان والهند والنيبال للعاصمة ( كتمندو) في جبال الهملايا ، ودول أوربا : بدءا من تركيا وبلغاريا ويوغسلافيا-سابقا- وايطاليا وسويسرا ( كانت التوأمة بين جامعتي بغداد وزيورخ ) وفرنسا أكثر من مرة .

    هذا وكتبت ما صادفني في تلك الأقطار والبلاد والأصقاع ودونت الصفحات الكثيرة من مشاهداتي وكتبت بعد عودتي من رحلة 1977 وأنا مقيم بالأعظمية بساحة عنتر ، كتب : أيام في بلاد الأفغان ، 180 صفحة من الحجم الكبير ، طبع بوزارة الثقافة والاعلام ، العراق ، الطبعة الأولى بغداد 1986 ، وأسرار الهند الكبرى ، والتجوال في بلاد البنجاب وأيام وليال في الهملايا والنيبال.

    في عام 1985 عدت إلى الجزائر وعينت أستاذا بجامعة محمد خيضر ببسكرة قسم الهندسة معمارية ، أثناءها كتبت عن قادة الثورة التحريرية الجزائرية في الأوراس والزيبان والصحراء فاتحة النار ، القائد مصطفى بن بولعيد ، مطبعة دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع ، عين مليلة  الجزائر ، 1988 ،  حامي الصحراء ، أحمد بن عبد الرزاق حمودة ( العقيد سي الحواس ) دار الهدى ، عبن مليلة ، الجزائر ، 1992 ،  العقيد محمد شعباني و جوانب من الثورة التحريرية الكبرى ، عين مليلة ، الجزائر ، 1999  .

    ولي مساهمات تاريخية باسم جمعية أول نوفمبر 1954 لتخليد وحماية مآثر الثورة بالأوراس التي ترأسها الشيخ محمود الواعي رحمه الله ،وقد أنجزنا كتبا منها : تاريخ الأوراس : التركيبة الاجتماعية و السوسيولوجية لمنطقة الاوراس في فترة الاحتلال الفرنسي 1844-1954 وكتاب معالم بارزة في ثورة نوفمبر 54 : أبعاد الثورة من المنظور التاريخي والروحي و السياسي وكتاب ثورة الأوراس 1916 . وكتاب مصطفى بن بولعيد والثورة الجزائريـة .

    في سنة 2000 ، أسست الجمعية الثقافية للبحوث التاريخية بالأوراس ، وأنجزت كتاب هواري بومدين رجل القيادة الجماعية ، وهو ملخص لرسالـة الدكتوراه ، الموسومـة بـ: " الشخصية القيادية ودورها في تنمية المجتمع ( هواري بومدين نموذجا ) ، قدمت بجامعة باجي مختارعنابة   قسم علم الاجتماع ، باشراف الدكتور أحمد بوذراع وتحصلت فيها على درجـة " مشرف جدا " .

    وكرمت في جامعـة الجيلالي اليابس بتلمسان من قبل الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية في ديسمبر سنة 2005 .

    في سنة 2006 انتقلت إلى جامعة الحاج لخضر بباتنة قسم علم الاجتماع ، وخلال عمل ونشاط الجمعية تنقلت مع وفد مديرية الثقافة لولاية باتنة في الأسابيع الثقافية عبر الولايات ، بصفتي أستاذا محاضرا عن الثورة التحريرية بالاوراس وكذا مع مديرية الشباب والرياضة إلى الولايات للتوأمـة وكان لي دور الأستاذ المحاضر .

    إن هذه التظاهرات الثقافية لجديرة بالاهتمام والرعاية ،وهي تهدف إلى التعريف بالموروث الثقافي والشعبي والمحافظة عليه وإثراء الثقافات المحلية وهذا ماترمي إليه مساعي فخامـة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة – الذين كان وزيرا للشباب والرياضة حين سفرنا – وسياسيته الحكيمة الهادفـة إلى ترسيخ التواصل والتقارب الفكري والامتداد الثقافي بين أبناء وطننا الحبيب المفدى الجزائر.

     

                                                                      باتنة بعد 41 سنة من سفري الأول